نموذج للقيادة ذات الرؤية

المشاهدات
24932

يروى أن عمر رضي الله عنه حين تم فتح العراق، رفض اتباع ما كان سائدا من توزيع اغلب الأراضي والأموال على المقاتلين، وحين واجه اعتراضا من قبل بعض الصحابة رضي الله عنهم، احتجاجا على مخالفة ذلك للنص.  كان رده : فمن لمن يأتي بعدكم.

ولم تكن هذه القضية هي الحالة الوحيدة، التي لم يقف فيها الفاروق رضي الله عنه عند حرفية النص، بل يبحث عن مغزاه ومقاصده وروحه.

اتخذ هذه القصة مدخلا لقراءة بعض الصفات يجب أن يتحلى بها القائد- بغض النظر عن موقعه- وهي كذلك تدلنا على الفرق بين القائد والمدير

أول تلك الصفات هي المعرفة العميقة لمن يتولى موقع القيادة بمن يقود سواء كأفراد أو تنظيم. معرفة الوضع الحالي للمنظمة والتنظيم. اسبابه ومعطياته، شروطه، قوانينه، ادواته، غايته، ثقافته، والثابت والمتغير في كل ذلك. كذلك معرفة بالبيئة الثقافية للأفراد الذين يقودهم

ثانيها هي الرؤية المستقبلية فالقائد عليه أن يرى حاضر ومستقبل منظمته بنفس الدرجة من التركيز والأهمية، لذا عليه حين يتخذ قراراته أن يأخذ البعدين معا. فالقائد لا يعمل لليوم وحده، ولا يتعامل مع مشكلات الحاضر فقط، فعليه استشراف التغيرات المستقبلية، ويوجد حلول حالية لمشكلات متوقعة مستقبلا، بناء على معطيات الحاضر والمستقبل.

وهذا بالذات احد الأسباب الكبرى لتراجع أو اختفاء المنظمات، اعني عدم قدرتها على توقع التغيرات وبالتالي التكيف معها، لأن قياداتها لم تمتلك تلك الرؤية، إما لأنها تفتقد تلك الصفة القيادية، وإما لإن قيادتها كانت منهمكة في اعمال الإدارة.

ثالثها الصفات هي شمولية الرؤية. فعلى القائد أن ينظر لقراراته من جميع الزوايا، متفهما المتطلبات والمصالح الحالية والمستقبلية للجميع.المنظمة والتنظيم والأفراد على حد سواء، ومدمجا لها في رؤية واحدة. فمن البديهي أن مصالح الجميع ليست متطابقة بالضرورة دائما، وهناك وقت سيكون فيه على القائد اقامة توازن دقيق بين متطلبات ومصالح كلا منهم من ناحية، والمحافظة على الإستمرارية والقيادة للنمو والتطور من ناحية اخرى.

رابعها توافر القدرة النظرية والعملية على اعادة صياغة الرؤية والإستراتيجية، حين توجد معطيات جديدة لم تكن متوفرة سابقا أو غفل عنها متخذ القرار، والتطبيق وعدم التذرع بالقوانين والقرارات السابقة، حين تكون المصلحة العامة حاليا ومستقبلا غير متحققة اذا تم الإستمرار بإتباع الإستراتيجية أو سياسة سابقة.

فقد تلاحظ قيادة المنظمة عبر مؤشرات عديدة ضعفا هيكليا، أو انخفاضا ملحوظا ومتكررا في الأداء أو الأرباح. لكنها تعزوه لأسباب خارجه عن ارادة المنظمة، ويمكن انتظار تغير تلك الأسباب مثلا، أو أن ذلك سيكون مشكلة لمن سيتولى المسؤولية بعدها. فتعفي نفسها من مراجعة رؤيتها، إما تهاونا وإما كي لا يستبين ضعف قدراتها.

الصفة الخامسة هي امتلاك الجرأة على التغيير، وفي الوقت المناسب. فالإستجابة المتأخرة للمشكلات والتحديات، وفي ظل اجواء تنافسية وسريعة التغيير بين المنظمات، تجعل النتيجة في أوقات عديدة مساوية لعدم الإستجابة. والجرأة على التغيير اضافة لتطلبها معطيات محددة وواضحة يستند عليها التغيير وتجعله محتما. تتطلب ايضا شجاعة في اتخاذ القرار وشجاعة في تحمل تبعاته الحالية والمستقبلية، فهناك دائما مقاومة للتغيير، إما للحفاظ على مصالح حالية، أو غموض المكاسب المستقبلية

واختم بصفة مهمة واساسية يجب أن تتوفر في كل قائد وهي استشعار المسؤولية، تجاه كل من يقودهم، بغض النظر عن الموقع داخل الهيكل التنظيمي. وهذه الصفة تمنع من محاباة طرف على آخر، فلا يجب مثلا اغفال جهود أو مصالح صغار العاملين والذين يقومون بالجهد الإكبر في حال تحقيق النجاح، ومكافئة كبار المديرين وحدهم، وهذا للأسف دارج في الكثير من المنظمات

وأضع امثلة هنا شركات صناعة الهواتف المتنقلة، اسماء كبيرة اختفت، ولم نعد نسمع عنها، واسماء اخرى تم الإستيلاء عليها من قبل غيرها، لأنها لم تكن قادرة بشكل مسبق على الرؤية المستقبلية ومواكبة التغييرات في هذا القطاع بالسرعة المطلوبة – تحول اجهزة الهاتف من وسيلة تقدم خدمة اتصال صوتي إلى وسيلة تواصل وانجاز للأعمال – ورغم أن بعضها كان ناجحا جدا “نوكيا”. لكن انهماكه في اعمال زيادة حجم الحصة السوقية وجني العوائد والأرباح الكبيرة في وقت ما- اعمال الإدارة- اخفى عنها التغيرات الآتية في القطاع، مما انعكس على حصتها وارباحها في السنين التالية، وجعل عملية الإستيلاء عليها سهلا

المراجع:

1-محمد القاضي- الإبداع عن ادارة عمر ابن الخطاب للأموال العامة – دراسة حالة (عدم تقسيم اراضي الفئ العراق، الشام،مصر)

2-بيكا نيكانين- من قتل نوكيا؟ – الجزيرة نت

Tweet about this on Twitter

نبذة قصيرة عن عبدالخالق عمر مرزوقي

عبدالخالق مرزوقي بكالوريوس ادارة اعمال، عضو الجمعية السعودية للجودة، اهتم بمجال القيادة والتخطيط الإستراتيجي، عدة دورات في مجال الإدارة والتخطيط وتطوير الذات،...

اترك تعليقاً